الخطيب البغدادي

35

تاريخ بغداد

الحديث عن أبي سعيد نفسه . ومنها أيضا المعرفة بالأدب والشعر ، وقيل إنه كان يحفظ دواوين جماعة من الشعراء . وسمعت حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق يقول : كان أبو الحسن الدارقطني يحفظ ديوان السيد الحميري في جملة ما يحفظ من الشعر . فنسب إلى التشيع لذلك . وحدثني الأزهري : أن أبا الحسن لما دخل مصر كان بها شيخ علوي من أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له مسلم بن عبيد الله ، وكان عنده كتاب النسب عن الخضر بن داود عن الزبير بن بكار ، وكان مسلم أحد الموصوفين بالفصاحة المطبوعين على العربية ، فسأل الناس أبا الحسن أن يقرأ عليه كتاب النسب ورغبوا في سماعه بقراءته ، فأجابهم إلى ذلك . واجتمع في المجلس من كان بمصر من أهل العلم والأدب والفضل ، فحرصوا على أن يحفظوا على أبي الحسن لحنة ، أو يظفروا منه بسقطة ، فلم يقدروا على ذلك . حتى جعل مسلم يعجب ويقول له : وعربية أيضا ! حدثنا محمد بن علي الصوري قال : سمعت أبا محمد رجاء بن محمد بن عيسى الأنصاري المعدل يقول : سألت أبا الحسن الدارقطني فقلت له : رأى الشيخ مثل نفسه ؟ فقال لي : قال الله تعالى : * ( فلا تزكوا أنفسكم ) * [ النجم 52 ] فقلت له : لم أرد هذا ، وإنما أردت أن أعلمه لأقول رأيت شيخا لم ير مثله ، فقال لي : إن كان في فن واحد فقد رأيت من هو أفضل مني ، وأما من اجتمع فيه ما اجتمع في فلا . حدثني أبو الوليد سليمان بن خلف الأندلسي قال : سمعت أبا ذر الهروي يقول : سمعت الحاكم أبا عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ - وسئل عن الدارقطني - فقال : ما رأى مثل نفسه . قال لي الأزهري : كان الدارقطني ذكيا إذا ذوكر شيئا من العلم أي نوع كان وجد عنده منه نصيب وافر ، ولقد حدثني محمد بن طلحة النعالي أنه حضر مع أبي الحسن في دعوة عند بعض الناس ليلة ، فجرى شئ من ذكر الأكلة ، فاندفع أبو الحسن يورد أخبار الأكلة وحكاياتهم ونوادرهم حتى قطع ليلته - أو أكثرها - بذلك . سمعت القاضي أبا الطيب طاهر بن عبد الله الطبري يقول : كان الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث ، وما رأيت حافظا ورد بغداد إلا مضى إليه ، وسلم له . يعني فسلم له التقدمة في الحفظ ، وعلو المنزلة في العلم .